Logo
طباعة
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!
الضبابُ وثمنُ الجشع

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الضبابُ وثمنُ الجشع

 

(مترجم)

 

الخبر:

 

تسبّب الضّباب المتكرّر في ماليزيا مجدداً في تعطيل تعليم الأطفال وتعريض العائلات للهواء الملوث. ففي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أمرت وزارة التعليم المؤسسات التعليمية في المناطق التي سجلت قراءات مؤشر تلوث الهواء أعلى من 180 بالإغلاق اعتباراً من اليوم التالي. في غضون ذلك، أفادت منظمة WALHI البيئية الإندونيسية أن حوالي 74% من البؤر الساخنة التي تمّ رصدها في كاليمانتان بين كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو كانت ضمن مناطق امتيازات الشركات، ما أعاد تسليط الضوء على دور استخدام الأراضي التجارية.

 

التعليق:

 

خلف إغلاق المدارس، آباءٌ يُعيدون ترتيب حياتهم العملية، وأطفالٌ محصورون في منازلهم، وعائلاتٌ تتساءل عما إذا كان بإمكان كبار السنّ تحمّل يومٍ آخر من الهواء الملوّث! تُجسّد هذه الأرقام حجم الأزمة، وهؤلاء هم من يعيشونها.

 

لقد مرّ الماليزيون، على الأقل، بهذه التجربة من قبل، وهذه الألفة تُثير قلقنا. كيف أصبح استنشاق الدخان أمراً يُتوقع من ملايين الناس تحمّله مع عودة موسم الجفاف؟! تحمل الرياح الضباب، لكنها لا تُفسّر القرارات التي تُشعل النيران في الأرض. إزالة الغابات بالحرق رخيصة، وتجفيف الأراضي الخثية لإنشاء المزارع يجعلها عُرضةً للحرائق التي تستمرّ تحت الأرض لفترةٍ طويلة بعد انطفاء اللهب. تعود الوفورات للشركات، بينما تصل المعاناة إلى منازل تتجاوز حدودها بكثير.

 

لا تُحدّد البؤر الساخنة داخل مناطق الامتياز، في حدّ ذاتها، من أشعل كل حريق، لكنها تستدعي تحقيقاً جاداً. عندما يعود الدخان عاماً بعد عام، يحقّ للناس أن يتساءلوا عن سبب صعوبة محاسبة المسؤولين! ويُعمّق سعي إندونيسيا لتوسيع إنتاج وقود الديزل الحيوي المُستخلص من زيت النخيل هذا القلق. قد تعد مقترحات تحويل ملايين الهكتارات من الغابات المتدهورة إلى مزارع بتوفير الأمن الطاقي. لكن من يحمي الغابة من التدمير أولاً ثم إعلانها صالحة للتحويل لاحقاً؟ وراء هذه التساؤلات يكمن خلل أعمق. ففي ظل الرأسمالية، تصبح الأرض استثماراً، والغابات فرصاً تجارية، ومعاناة العامة ثمناً يتحمله غيرهم. وحيث تحمي ثروة الشركات وسلطتها السياسية بعضها بعضاً، لا يُقدم قانون جديد أو اجتماع إقليمي جديد سوى القليل من الراحة للعائلة التي تتنفس هواءً ملوثاً هذه الليلة.

 

يُلقي الإسلام مسؤولية مختلفة على عاتق الدولة، فالغابات الضّرورية للحياة الجماعية ملكٌ للعامة، ويجب على الدولة إدارتها بما يعود بالنفع عليهم، وتفرض الملكية الزراعية واجب الزراعة المسؤولة، ولا يُجيز أي سعي للربح إلحاق الضرر بالآخرين.

 

ومع ذلك، تتطلب هذه الالتزامات مؤسساتٍ مخوّلة بإنفاذها. ففي الخلافة، يحمي قاضي الحسبة الحقوق العامة، ويتّخذ الإجراءات اللازمة ضدّ الانتهاكات الجسيمة. ويجب أن يواجه المسؤولون عقوبات تتناسب مع الضّرر الذي تسببوا فيه، سواء أكانوا صغار المزارعين، أم أصحاب الشركات، أم مسؤولين. لكن هذه الأحكام لا يمكنها تحقيق غايتها وهي محصورة ضمن نظام رأسمالي يُواصل مكافأة الممارسات التي تُحرّمها. يتطلب تطبيقها من الخلافة تطبيق الشريعة تطبيقاً شاملاً، بحيث تخضع الملكية والسياسة الاقتصادية والمساءلة للالتزام نفسه بحماية الرعية.

 

بالنسبة للأم التي ترى طفلها يسعل، فإن هذه المسؤولية شخصية للغاية، لا ينبغي لها أن تنتظر تغير الأحوال لتجد الراحة، ولا ينبغي لجيل آخر أن ينشأ على قبول أن ثمن ازدهار الآخرين هو الهواء الذي يتنفسه.

 

يجب أن نطالب بأكثر من مجرد فترة أخرى من الصبر، يجب أن نعمل على إعادة الإسلام كمنهج حياة شامل من خلال إقامة الخلافة، بحيث تكون حماية الحياة هي المعيار الأساسي في القرارات التي تُتخذ قبل إشعال أول نار.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. محمد – ماليزيا

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.