- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هل يعكس انخفاض الذهب والفضة قيمتهما الحقيقية؟
الخبر:
انخفضت أسعار الذهب والفضة في الفترة الأخيرة، ويرى كثير من المحللين أن السبب يعود إلى ارتفاع أسعار الربا وقوة الدولار.
التعليق:
الوقائع الرسمية والقضائية المنشورة خلال السنوات الماضية تكشف أن أسواق الذهب والفضة لم تكن بمنأى عن التلاعب والتأثير المنظم، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تعبير الأسعار المتداولة عن القيمة الحقيقية لهذه المعادن النفيسة.
في 23 أيار/مايو 2014 فرضت هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) غرامة قدرها 26 مليون جنيه إسترليني على Barclays Bank بسبب إخفاق في الرقابة سمح بالتأثير على السعر المرجعي للذهب في لندن. كما عاقبت أحد المتداولين ومنعته من العمل في القطاع المالي بعد ثبوت محاولته التأثير على سعر الذهب لتحقيق منفعة مالية للبنك.
وفي عام 2016 وافق Deutsche Bank على تسوية دعاوى تتعلق باتهامات بالتلاعب في أسعار الذهب والفضة، كما وافق على التعاون مع التحقيقات وتقديم وثائق ومراسلات مرتبطة بالقضية. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016 أعلن البنك عن تسوية بقيمة 38 مليون دولار في دعوى متعلقة بالتلاعب في أسعار الفضة.
وفي 29 أيلول/سبتمبر 2020 أعلنت لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية (CFTC) فرض عقوبات وتسويات بلغت 920 مليون دولار على JPMorgan Chase. وأوضحت اللجنة أن المخالفات شملت مئات الآلاف من أوامر التداول الوهمية التي تهدف إلى إعطاء صورة غير حقيقية عن العرض والطلب في أسواق المعادن الثمينة، وفي اليوم نفسه أعلنت وزارة العدل الأمريكية التوصل إلى تسوية جنائية مع البنك في قضية احتيال تتعلق بأسواق المعادن الثمينة.
كما صدرت لاحقاً أحكام بالإدانة والسجن بحق عدد من المتداولين والمسؤولين السابقين العاملين في قسم المعادن الثمينة لدى JPMorgan Chase خلال عامي 2022 و2023 بعد إدانتهم بالتلاعب والاحتيال في السوق.
هذه القضايا لا تثبت وجود تحكم كامل في أسعار الذهب والفضة على مستوى العالم، لكنها تثبت رسمياً أن مؤسسات مالية كبيرة تمكنت في فترات مختلفة من التأثير على الأسعار والتلاعب بالسوق.
ومن القضايا المهمة في سوق الذهب ما يُعرف بـ"الذهب الورقي"، حيث يتم تداول عقود وشهادات تمثل ملكية للذهب دون وجود سبائك مخصصة لكل مالك. ومع توسع هذا النوع من التداول أصبحت قيمة المطالبات الورقية على الذهب تفوق في بعض الأسواق كميات الذهب القابلة للتسليم فعلياً. وعند الأزمات أو فقدان الثقة وازدياد طلب التسليم الحقيقي قد تنكشف الفجوة بين الذهب الموعود والذهب الموجود، بما يهدد بحدوث اضطرابات مالية واسعة النطاق.
وبعبارة مختصرة: إذا طلب أصحاب الذهب الورقي ذهبهم في الوقت نفسه، فقد تكتشف الأسواق أن ما بيع من الذهب أكبر مما هو موجود فعلاً.
أما في النظام النقدي الذي طبقه الإسلام في ظل دولة الخلافة، فلم يكن الذهب والفضة مجرد سلع للتجارة أو الاستثمار، بل كانا أصل النقد والأثمان التي تُقاس بها قيم السلع والخدمات وتُحدد بها الالتزامات المالية.
وعند استخدام الذهب والفضة بوصفه نقداً، تكون زيادة المعروض النقدي محدودة بكمية الذهب والفضة المتاحة فعلياً، وهو ما يقلل من احتمالات التضخم المفرط ويحافظ على القوة الشرائية للأموال. أما النظام النقدي العالمي المعاصر القائم على العملات الإلزامية غير المغطاة بالذهب أو الفضة، فيسمح بزيادة الكتلة النقدية عبر التوسع في الإصدار والائتمان، وهو ما يؤدي مع مرور الزمن إلى تآكل القوة الشرائية وارتفاع الأسعار بصورة مستمرة.
ومن هذا المنطلق احتفظ كل من الذهب والفضة بقيمتهما عبر القرون. فالذهب الذي كان يشتري قدراً معيناً من السلع أو الخدمات منذ عشرات السنين ما زال قادراً على شراء قيمة قريبة منها اليوم، بينما فقدت معظم العملات الورقية جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية بسبب التضخم.
إن قضايا التلاعب المثبتة في أسواق الذهب والفضة، إلى جانب التوسع الكبير في تداول الذهب الورقي، تعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة النظام النقدي العالمي وقدرته على حفظ القيمة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. ومن منظور الإسلام، فإن الذهب والفضة ليسا مجرد أدوات استثمار، بل يمثلان أساساً نقدياً يحول دون التوسع غير المنضبط في إصدار النقود ويحافظ على قيمة الأموال عبر الزمن.
إن الأزمات المالية المتكررة والتلاعب المثبت في عدد من الأسواق العالمية يبرزان الحاجة إلى نظام نقدي يربط النقود بقيمة حقيقية ويمنع التوسع غير المنضبط في الإصدار النقدي. ومن منظور الإسلام يتحقق ذلك باعتماد الذهب والفضة أساساً للنقد، في ظل دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، بما يكفل استقرار الأثمان وحفظ المدخرات وصيانة القوة الشرائية للناس من التضخم والتلاعب.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
م. يوسف سلامة



