الأحد، 21 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/11/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!
كتابٌ مفـتوحٌ وجهه رحمه الله إلى الفـقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مستمعينا الكرام! مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

 

أحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أما بعد:

موضوعنا لهذا اللقاء معكم هو من إرث المرحوم بإذن الله تعالى المفكر السياسي يوسف أحمد السباتين – أبي العز، وهو بعنوان:

 

كتـابٌ مفـتـوحٌ وجهه رحمه الله

إلى الفـقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين

 

قالَ اللهُ تعَالى في مُحكم ِكِتابهِ, وَهُوَ أصْدَقُ القائِلينْ: (إنَّ الذينَ يَكتمُونَ مَا أنزلَ اللهُ مِنَ الكتابِ وَيشترُونَ بهِ ثمَناً قليلاً أولئكَ مَا يأكلـُونَ في بُطونهمْ إلَّا النَّارَ وَلا يُكلـِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القيامَةِ وَلا يُزكّيهمْ وَلهُمْ عَذابٌ أليمٌ * أولئكَ الذينَ اشترَوُا الضَّلالةَ بالهُدَى وَالعَذابَ بالمَغفرَةِ فمَا أصْبَرَهُمْ عَـلى النَّار).

 

حضرات الفقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين:

 

السَّلامُ عَـليكـُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ وَبَعدْ: لـَقـَدْ دَرَستُمْ كِتابَ اللهِ تعَالى, وَاطَّـلعتُمْ عَلى سِـيرَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فعَرَفتُمْ كيفَ بَدأ دَعوَتَهُ, وَأقامَ دَولَتَهُ, وَحَكمَ النَّاسَ بشَرع ِاللهِ, فـَقـَدْ حَمَـلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرِّسَالة, وَأدَّى الأمَانة, وَنصَحَ الأمَّة, وَكشفَ اللهُ بهِ الغُمَّة, وَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ, وَقالَ صلى الله عليه وسلم: "ترَكتُ فيكم مَا إنْ تمَسَّـكتمْ بهِ لنْ تضِلُّوا بَعدِي أبَدا: كتابَ اللهَ وَسُنَّـتِي". اللهُمِّ اجزهِ عَنا خيرَ مَا جَزَيتَ نبيَّاً عَنْ قومِهِ, وَرَسُولاً عَنْ أمَّتِهِ. ثمَّ انتقلَ صلى الله عليه وسلم إلى الرَّفيق ِ الأعلى, وَأنتمْ مَعشَرَ الفـقهَاء وَالأئمَّةِ وَالخطبَاء الأمَناءُ عَلى رسَالتِهِ, وَالمُكلَّفونَ مِنْ بعدِهِ بحَمل دَعوَتِهِ, وَتبليغهَا للنّاس.

 

لقد شَرَّفكمُ اللهُ تعَالى بأنْ جَعَلكمْ مِنَ العُـلمَاء, وَمِنْ وَرَثةِ الأنبيَاء, وَذلكَ بحَمل أطهَر دَعوَةٍ, وَأشرَفِ رسَالةٍ عَلى وَجهِ الأرض, ألا وَهِيَ رسَالة الإسلام, التي جَاءَنا بهَا نبيُّنا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِندِ اللهِ, بَيضَاءَ نقيَّةً, ليلهَا كنهَارهَا,لا يَزيغُ عَنهَا إلَّا هَالِكٌ, وَلا يتَنكَّبُهَا إلَّا شقِيّ.

 

وَقدْ خاطبَ اللهُ سُبحَانهُ وَتعَالى رَسُولهُ صلى الله عليه وسلم في بدَايَةِ الدَّعوَةِ فقالَ جَلَّ مِنْ قائل: (إنَّا سَنُلقِي عَليكَ قَولاً ثَقيلاً). لقدْ حَمَلتُمْ حِملاً ثقيلاً ناءَتْ بثِقـلِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأرضُ وَالجبَالُ, ألا وَهُوَ الأمَانة, قالَ تعَالى: (إنَّا عَرَضنا الأمَانةَ عَلى السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ وَالجبَالِ فأبينَ أنْ يَحْمِلنَهَا وَأشفَقـْنَ مِنهَا وَحَمَلهَا الإنسانُ إنَّهُ كانَ ظلُوماً جَهُولاً).

 

فمَا هِيَ هَذِهِ الأمَانة؟ إنَّهَا أمَانةُ إظهَارِ الحَقِّ وَالبَوح بهِ, وَعَدَم كتمَانِهِ, أمَانةُ تبليغ ِ أوَامِر اللهِ وَنوَاهيهِ, أمانةُ تبليغ ِالأحكام ِ الشَّرعيَّةِ التي نزلَ بهَا الوَحيُ مِنْ اللهِ تعَالى, وَالمَوجُودَةِ في كتابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبيّهِ صلى الله عليه وسلم, أمَانة الأمر بالمَعرُوفِ, وَالنَّهي ِعَن ِالمُنكر.

 

إنَّ اللهَ سُبحَانهُ وَتعَالى قدِ امتدَحَكُمْ بقولِهِ: (كُنتُمْ خَيرَ أمَّةٍ أخرجَتْ لِلنَّاسِ تأمُرُونَ بالمَعرُوفِ وَتنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنونَ باللهِ). فكونوا عِندَ مَدح اللهِ لكمْ, كونوا كمَا أرَادَكُمُ اللهُ رَبُّ العَالمينَ. لقدْ كُنتُمْ وَكانتْ أمَّتُكُمْ خَيرَ أمَّةٍ يَومَ كنتمْ تعتصِمُونَ بحَبل اللهِ تعَالى, كنتمْ خيرَ أمَّةٍ يَومَ كنتمْ أمَّةً وَاحِدَةً مُوَحَدَة, يَنصُرُ بَعضُـكُمْ بَعضاً, كنتمْ خيرَ أمَّةٍ يَومَ كانَ وَلاؤكُمْ لحَاكِمٍ وَاحِدٍ, يَسُوسُـكمْ بكتابِ اللهِ, وَيَرعَاكُمْ بشَرع ِاللهِ, وَيقودُكمْ إلى الجهَادِ فِي سَبيل ِاللهِ.

 

وَهَاهُمْ حُكَّامُكمْ قـَد ألغَوا في قوانينهمُ الجهَادَ في سَبيل ِاللهِ, وَصَارَ المُجَاهِدُ فِي نظرهِمْ إرهَابياً, فوَصَلَ الحَالُ إلى مَا وَصَلَ إليهِ مِنَ الذلِّ وَالهَوَان ِ مِمَّا لا يَخفى عَلى حَضَرَاتِكُمْ, فقدْ صَارَ المُسلمُ يُولَدُ فلا يُؤبَهُ لهُ, وَيَعيشُ فلا يُعتَنى بهِ, وَيَمُوتُ فلا يُحزَنُ عَـليهِ, وَيُقتَلُ فلا يُثأرُ لهُ. وَإنَّ مَا يَجري الآنَ في فِلسطينَ وَالعرَاقَ وَأفغانِستانَ وَالشيشانَ والجَزائِرَ وَكشميرَ, وَمَا جَرَى مِنْ قَبلُ في البُوسنةِ وَالهرسِكِ وَكسُوفـُو مَا يُغني عَن ِالدَّليل ِ.

 

حضرات الفقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين:

 

• كونوا عِندَ تشريفِ اللهِ لكمْ بتعليمِكمُ النـَّاسَ العِلمَ الذي يُوجدُ فيهمُ الوَعيَ عَلى دِينهمْ, فيَرفعُ مِنْ شأنهمْ, وَيَنهَضُ بهمْ, وَيَجعلُ توَجُّهَهُمْ نحوَ قضَايَاهُمُ المَصيريَّة كقضيَّةِ العَودَةِ إلى الحُكم بكِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم باعتبَارهِمَا ذلكَ التَّحَدِي لِلقوانين الوَضعيَّةِ الفاسِدَةِ المُستمدَّةِ مِنْ قوانينِ الكُفرِ وَحَضارَتِهِ.

 

وَكقضيَّةِ وَحدَةِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ برَفع ِالحُدُودِ بَينَ أقطارهَا, لِتستطيعَ بمَجمُوع ِاقتصَادِهَا أنْ تَبنيَ لهَا قـُوَّةً تُرهِبُ بهَا عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّهَا, وَلتأخُذ مَكانهَا بَينَ الشُّعُوبِ وَالأمَم.

 

• كونوا أمَناءَ عَلى مَا ائتَمَنَكُمُ اللهُ, وَإيَّاكُمْ وَكِتمَانِ بَيانِ مَا أنزَلَ اللهُ, وَهُوَ سُبحَانَهُ القائِلُ: (إنَّ الذينَ يَكتُمُونَ مَا أنزَلنا مِنَ البَيِّناتِ وَالهُدَى مِنْ بَعدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنّاس فِي الكِتابِ أولئكَ يَـلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلعَنُهُمُ اللاعِنُونَ).

 

• عَـلِّمُوا النَّاسَ أنَّ الأمَمَ المَيِّـتة تحيَا بحَمل الرَّسَالـَة, وَتَمُوتُ الأمَمُ الحَيـَّةُ بتركِ حَملهَا, وَذلكَ لِيتطلِّعُوا إلى أيّام ِعزِّهمْ وَقـُوَّتهمْ يَومَ كانوا حَمَـلةَ رسَالَةٍ, وَليتَّعِظُوا مِنْ وَضعهمُ الحَالِي بَعدَ تركهمْ حَملَ الرِّسَالَة, وَتركِ العَمَلِ بهَا.

 

• عَـلِّمُوا المُسلمينَ كيفَ جُزئَتْ بلادُهُم, وَغَدَوا كالأيتام ِعَـلى مَآدِبِ اللِّئام بَعدَ زَوالِ دَولةِ الإسلام, فلا رَاعِيَ لهُم يَصونُ دِمَاءَهُمْ, وَيَحفظ لـَهُمْ كرَامَتهُمْ. لا تـقتصِرُوا فِي تعليم النَّاس عَـلى العبَادَاتِ وَالأخلاقِ وَالقضَايَا الجُزئيـَّةِ فحَسْب, وَتتركوا القضَايَا المَصيريَّةَ, مُلتزمِينَ بحُدُودِ الوَظيفةِ, وَاللهُ سَائِلُكُم عَمَّا ائتمَنكُمْ عَليهِ مِنَ العِلم, كونوا مِمَّنْ قالَ اللهُ تعَالى فيهمْ: (الذينَ يُبَلِّغُونَ رسَالاتِ اللهِ وَيَخشونَهُ وَلا يَخشَونَ أحَداً إلَّا اللهَ وَكفى باللهِ حَسِيباَ).

 

• عَـلِّمُوا النّاسَ أحْكامَ دَار الإسلام وَدَار الكفرِ وَأنَّ الـدَّارَ تكونُ دَارَ إسلام بظُهُورِ وَبتفَوُّقِ أحكامِ الإسلامِ فيهَا وَتكونُ دَارَ كُفْرٍ بظهُورِ أحكامِ الكُـفرِ فيهَا كمَا هُوَ حَاصِلٌ اليَومَ.

 

• عَـلِّمُوهُمْ أنَّ المُسلمَ الذي يَرتكِبُ إثماً, وَتُنفَّذ فيهِ العُـقوبَةُ الشرعيَّة, تسقُطُ عَنهُ عقوبَةُ الآخرة. وَأنَّ إقامَة حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ في الأرض خيرٌ لأهل الأرضِ مِنْ أنْ يُمطَرُوا أربعينَ صباحا, ليزدَادَ تطلُّعُهُم إلى العَودَةِ لشرعِ اللهِ فلا يَبقَونَ مَحرُومينَ مِنْ هَذِهِ النِّعمَة.

 

• عَلِّمُوهُم أحكامَ الصُّـلح مَعَ العَدُوِّ, وَأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تكونَ غَيرَ مُحَدَّدَةٍ بزَمَن.

 

• عَلِّمُوهُمْ أنَّ التَّـقيُّدَ بأنظمَةِ الأمَم المُتَّحِدَةِ وَمَجلِس الأمن التي تـَقتضِي مُـقاطعَة أي قـُطرٍ إسلامِيٍّ حَرَامٌ لا يَجُوزُ التَّقيُّدُ بهَا.

 

• عَلِّمُوا النَّاسَ أنَّ نزعَ أسلِحَة الدَّمَار الشَّامِل مِنَ الأقطارِ الإسلاميَّةِ حَرَامٌ, فيهِ مُخالفـَةٌ لقولِهِ تعَالى: (وَأعِدُّوا لهُمْ مَا استطعْـتُمْ مِنْ قـُوَّةٍ وَمِنْ ربَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ).

 

• أنزلوا الأحكامَ عَلى الوَقائع وَالأحدَاثِ الجَاريَةِ كمَا كانَ القـُرآنُ يتَنزَّلُ مُنجَّماً حَسَبَ الحَوَادِثِ, وَذلِكَ لِكي يَعرفَ النَّاسُ الحُكمَ الشَّرعِيَّ في كُلِّ حَادِثةٍ تحْدُثُ. فلقدْ عَلَّمَنا الوَحْيُ كيفَ نُعَلِّمَ أمَّتنا أحَكامَ دِيننا, وَبَيَّنَ لنا فِي كِتابِ رَبِّنا وَسُنَّةِ نَبيّنا طريقَةَ تَعليمِهَا, وَإنَّهُ باستقرائِنا لأسبَابِ نُزُولِ القُرآنِ الكريمِ مِنْ قِبَلِ الوَحْي, نَعرِفُ كيفَ نُعَلِّمُ أمَّتِنا أحكامَ دِينهَا, لكي تكونَ وَاعيَةً عَلى الإسلامِ وَعَلى أحكامِهِ, وَعياً شَامِلاً لِجَميعِ نوَاحِي الحَيَاةِ, وَإليكمُ القليلَ مِنَ الأمثلةِ عَلى مَا أشَرنا إليهِ مِنْ وُجُوبِ تعليمِ الأمَّةِ مَا يَلزَمُهَا فِي السِّياسَةِ وَالاجتمَاعِ وَالاقتصَادِ وَالفِكرِ وَتنزيلِ الأحكام ِعَلى الوَقائِعِ وَالأحدَاثِ:

 

أولاً: النواحي الاجتماعـية:

 

1. حَدَثَ أنَّ أوسَ بنَ الصَّامِتِ ظاهَرَ مِنْ زَوجَتِهِ خَولة بنتِ ثعلبَة, أيْ حَرَّمَهَا عَلى نفسِهِ كمَا تحْرُمُ عَليهِ أمُّهُ, فاشتكتْ إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فنزلَ الوَحيُ بقولِهِ تعَالى: (قدْ سَمِعَ اللهُ قولَ التي تُجَادِلُكَ في زَوجِهَا). وَاستمَرَّ نُزُولُ الآيَاتِ التي تُبيِّنُ الحُكمَ الشَّرعِيَّ فِي مَوضُوعِ الظِّهَار.

 

2. وَفِي حَادِثَةِ الإفكِ التي أشيعَتْ حَولَ أمِّ المُؤمنينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا, فأحرجَتْ وَأحرجَ أبُوها وَزوجُها صلى الله عليه وسلم فنزَلَ الوَحْيُ يُبَرِّئهَا بقولِهِ تعَالى: (إنَّ الذينَ جَاءُوا بالإفكِ عُصبَةٌ مِنكـُم).

 

ثانياً: النواحي الاقتصادية:

 

1. عِندَمَا اختَلفَ المُسلمُونَ فِي شأن ِالغنائِم التي حَصَـلتْ لهُمْ بَعدَ مَعركةِ بَدرٍ نزَلَ الوَحْيُ بقولِهِ تعَالى: (يَسألونَكَ عَنِ الأنفالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُول). فبَيَّنَ الوَحْيُ الحُكمَ الشَّرعِيَّ فيمَا يَؤولُ مِنَ الغنائِمِ مِنْ أيدِي الأعدَاء إلى المُقاتِلينَ المُسلمينَ, فجَعَـلَ الحَـلَّ بيَدِ رَئيسِ الدَّولَةِ أي بِيَدِ خَليفَةِ المُسلمينَ يُوزعُهَا حَسَبَ رَأيهِ وَاجتهَادِهِ.

 

2. بَعدَ انتصَار المُسلمينَ عَـلى الفـُرسِ في العِرَاق, طَلبَ المُقاتِلونَ مِنْ عُمَرَ بن الخطّابِ أنْ يُقَسِّمَِ بَينهُمْ أرضَ العِرَاق, وَكانَ الوَحْيُ قدِ انقطعَ بَعدَ وَفاةِ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم فنظرَ عُمَرُ فيمَا نزَلَ فيمَا هُوَ شَبيهٌ بأرضِ العرَاق, فاهتدَى إلى الحُكم ِالشَّرعِيِّ الذي يَجعَلُ أرضَ العِرَاق, وَكُلَّ أرضٍ تُفتَحُ عُنوَةً بسُيُوفِ المُسلمينَ, هِيَ وَقْفٌ عَلى المُسلمينَ حَتى تقومَ السَّاعَة, وَلا يَحِلُّ لأحَدٍ أنْ يَتَنازَلَ عَنهَا أو يُصَالِحَ عَليهَا مَعَ العَدُوِّ, وَكانَ عُمَرُ قَد استَّدَلَّ بخمْسِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الحَشرِ بَدءاً مِنْ قَولِهِ تعَالى: (وَمَا أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فمَا أوجَفتـُمْ عَـليهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا ركابٍ). إلى قَولِهِ تعَالى: (وَالذينَ جَاءُوا مِنْ بَعدِهِمْ يَقولونَ رَبـَّنا اغـفِرْ لَنا وَلإخْوانِنا الذينَ سَبَقـُونَا بالإيمانِ وَلا تَجعَلْ فِي قُلوبِنا غِلاً لِلذينَ آمَنوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ).

 

ثالثاً: النواحي الحربية:

 

عِندَمَا أرْسَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَبدَ اللهِ بنَ جَحشٍ لِمُرَاقَبَةِ تحَركاتِ قريشٍ وَأوصَاهُ أنْ لا يُحدِثَ شيئاً إلَّا أنَّ الزُّبيرَ بنَ العَوَّام ِرَمَى بسَهمٍ عَلى قافِلَةٍ كانتْ مُتَّجهَةً إلى مَكَّةَ فقُتِلَ عَمرُو بنُ الحَضرمِيِّ, فاستغلَّتْ قُرَيشٌ هَذا الحَدَثَ وَاتَّهَمَتِ النَّبيَّ وَصَحبَهُ بأنَّهُمُ استحَلّوا الشَّهرَ الحَرَامَ, وَاستاءَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا حَصَل فَنزَلَ الوَحْيُ وَأجَازَ القِتالَ فِي الأشهُرِ الحُرُمِ طالمَا أجَازَتْ قُريشٌ لِنفسِهَا الصَّدَ عَنْ سَبيلِ اللهِ, وَإخرَاجَ أهل الحَرَمِ مِنهُ, وَفتنتهُمْ عَنْ دِينهمْ, فـَصَارَ الحُكمُ فِي حَالةِ الحَرْبِ هُوَ التَّعَامُلُ مَعَ العَدُوِّ بالمِثل, فإنْ قَتَلوا أسرَانا نقتُلْ أسرَاهُمْ, وَإن امتَنعوا عَن ِالسَّبيِّ نمتَنِعُ وَهَكذا.

 

رابعا: سياسة الأمن الداخلي:

 

عِندَمَا تَجَهَّزَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لِفتحِ مَكَّةَ كتـَبَ حَاطِبُ بنُ أبي بَلتعَةَ كِتاباً يُخبِرُ فِيهِ قُريشاً بمَا عَزَمَ عَـليهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَبَعَثَهُ مَعَ امرَأةٍ, فنزَلَ الوَحْيُ وَأخبَرَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم بذلكَ فبَعَثَ عَـلياً وَالزُّبيرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَأحضَرا الرِّسَالـَة َ, فنزَلَ قولُهُ تعَالى: (يَا أيُّهَا الذينَ آمَنوا لا تَـتَّخِذوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوليَاءَ تُلقـُونَ إليهمْ بالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفـَرُوا بمَا جَاءَكـُمْ مِنَ الحَقِّ يُخرجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكـُمْ أنْ تُؤمِنُوا باللهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنتُمْ خَرَجتُمْ جهَاداً في سَبيلي وَابتغاءَ مَرضاتِي تُسِرُّونَ إليهمْ بالمَوَدَّةِ وَأنا أعلَمُ بمَا أخفيتُمْ وَمَا أعلَنتُمْ وَمَنْ يَفعَلْهُ مِنكُمْ فقَدْ ضَـلَّ سَوَاءَ السَّـبيل). وَهَذا المِثالُ فِي سِيَاسَةِ الأمنِ الدَّاخِلي, وَمِنهُ التَّجَسُّسُ, وَتُرِكَ الحُكمُ فيهِ لرَئيسِ الدَّولَةِ, إنْ شَاءَ عَـفا, وَإنْ شاءَ عَاقَبَ.

 

خامساٍ: السياسة الدولية:

 

عِندَمَا حَصَلَ جدَالٌ بَينَ أبي بَكرٍ وَقُرَيشٍ فِي شَأنِ دَولتي الفُرسِ وَالرُّومِ وَهُمْ أهلُ كِتابٍ, قالَ أبُو بَكرٍ: ((سَتَغلِبُ الرُّومُ الفُرسَ)) وَترَاهَنوا, وَأقرَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أبَا بَكرٍ عَلى ذلكَ, فَنزَلَ قَولُهُ تعَالى: (ألم * غـُلبَتِ الرُّومُ * فِي أدنى الأرضِ وَهُمْ مِنْ بَعدِ غَلَبِهمْ سَيَغلِبُونَ * فِي بضعِ سِنينَ للهِ الأمرُ مِنْ قَبلُ وَمِنْ بَعدُ وَيَومَئذٍ يَفرَحُ المُؤمِنونَ * بِنَصرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزيزُ الرَّحِيمُ). وَهَذا المِثالَ فِي السِّياسَةِ الدَّوليَّةِ, وَهُوَ إقرَارٌ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلى جَوَاز ِالانشغالِ بالسَّياسَةِ الدَّوليَّةِ لمَعرفَةِ مَا يُصيبُنا مِنهَا مِنْ نَفعٍ أو ضَرَر.

 

حضرات الفقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين:

 

يَجبُ عَـليكُمْ أنْ تَهتمُّوا بكُلِّ مَا يَحدُثُ فِي مُجتمَعِنا, وَفِي السِّـيَاسَةِ المَحليَّةِ وَالدَّوليَّةِ وَالأحدَاثِ العَالميَّةِ, وَعَنْ عَلاقتهَا بأمَّتِنا, وَأنْ تـُبيِّنوا الحُكمَ فِي كُلِّ مَا لَهُ عَلاقة ٌ بالمُسلمينَ.

 

هَكذا عَـلَّمَنا الوَحْيُ, كيفَ نُظهرَ الحَـقَّ, وَنَبوحَ بهِ وَلا نكتُمَهُ, وَلا نُطيعُ مَنْ يَقولُ لنا: لا تتحدَّثوا في السِّياسَةِ, لأنَّ السِّياسَة عَـلى حَدِّ رَأيهِ ليسَتْ مِنَ الدِّين, وَلأنَّ عَـقيدَتهُ ليسَتِ العَقـيدَة الإسلاميَّة القائمَةَ عَـلى الجهَادِ وَالقِـتال لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّـداً رَسُولُ اللهِ» وَإنَّمَا عَـقيدَتـُهُ هِيَ العقيدَة ُ الكهَنوتيَّةُ النَّصرَانيَّةُ التي لا دَخْلَ لهَا في شُؤونِ الحَيَاةِ.

 

وَاللهَ أسْألُ أنْ يُسَدِّدَ خُطاكُمْ وَيُعينَكُمْ عَلى تَحَمُّلِ مَسؤوليـَّاتِكـُمْ أمَامَ رَبِّكُمْ.

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع