الأحد، 21 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/11/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هل تستطيع الصين حرق ورقة الممرات؟

صراع الزمن بين واشنطن وبكين: من يسبق الآخر إلى نقطة التحول؟

 

لم يعد الصراع الأمريكي الصيني مجرد منافسة على التجارة والأسواق والتكنولوجيا وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، فقد انتقل التنافس إلى مستوى أكثر عمقاً يتعلق بالطاقة: مصادرها، وطرق نقلها، والبنية التحتية التي تؤمّنها، وقدرة كل طرف على تحويل اعتماد الطرف الآخر إلى أداة ضغط استراتيجية.

 

وتبرز الصين في قلب هذه المعادلة باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، فيما تعتمد نسبة كبيرة من وارداتها على النقل البحري، وهذا يجعل أمنها الطاقي مرتبطاً ليس فقط بتوافر النفط في الأسواق، وإنما أيضاً بأمن الممرات التي يعبرها هذا النفط، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وملقا.

 

في المقابل، تمتلك أمريكا تفوقاً بحرياً وعسكرياً وشبكة تحالفات واسعة تمنحها قدرة كبيرة على التأثير في البيئة الأمنية التي تتحرك عبرها التجارة العالمية.

 

هنا يتحول الصراع إلى سباق مع الزمن؛ فكلما استمرت الصين في الاعتماد على النفط المستورد والممرات البحرية، بقيت هذه الورقة ذات قيمة استراتيجية بالنسبة لأمريكا. وكلما نجحت الصين في تقليل استهلاك النفط، وتنويع مصادره وطرق وصوله، والتوسع في الكهرباء والطاقة المتجددة والتخزين، تراجعت حساسية اقتصادها تجاه هذه الضغوط.

 

تتمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في اقتصاد الصين في اعتماده الكبير على النفط المستورد، ووصول الجزء الأكبر من هذه الواردات عبر البحر. ولذلك فإن أمن الصين الطاقي لا يتحدد فقط بعلاقتها بالدول المنتجة، وإنما كذلك بسلامة الطرق البحرية التي تصل من خلالها الإمدادات إلى الموانئ الصينية. ويبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم هذه الممرات؛ فتعطل الملاحة فيه يمكن أن يؤثر في تدفقات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الآسيوية. أما مضيق ملقا فيمثل حلقة استراتيجية في حركة التجارة والطاقة بين المحيط الهندي وشرق آسيا.

 

فالقدرة على التأثير في الممرات البحرية لا تعني القدرة على إغلاقها أو التحكم الكامل بها من دون تكلفة. فأي اضطراب واسع في الملاحة لن يضرب الصين وحدها، بل سيؤثر في الدول المنتجة والمستهلكة، ويرفع أسعار الطاقة، ويضر بالاقتصاد العالمي، وقد يرتد على أمريكا وحلفائها أيضاً. لذلك فإن أهمية هذه الورقة تكمن في القدرة على التهديد والتأثير والردع أكثر من استخدامها بالضرورة في صورة حصار شامل.

 

من هنا تبرز فرضية سياسية مهمة: إذا كانت الصين تعمل بصورة متسارعة على تقليل اعتمادها على النفط المستورد، فإن قيمة الضغط الأمريكي عليها تتغير بمرور الزمن.

 

في المرحلة الحالية، يمكن لاضطراب الإمدادات أن يرفع تكلفة الطاقة الصينية، ويضغط على الصناعة والنقل، ويستنزف المخزونات، ويزيد الضغوط الاقتصادية. لكن الصورة قد تتغير إذا نجحت الصين في السنوات المقبلة في خفض استهلاك النفط، وزيادة الإمدادات البرية، وتوسيع الطاقة المتجددة، وتعزيز تخزين الكهرباء وشبكات نقلها. فواشنطن تستفيد من نقاط الضعف الصينية القائمة، بينما تسعى بكين إلى استخدام الوقت لإعادة بناء منظومة الطاقة بحيث تصبح هذه النقاط أقل قابلية للاستغلال.

 

لكن هذا لا يعني أن حروب أمريكا في الشرق الأوسط يمكن اختزالها في هدف واحد هو حصار الصين أو منعها من الوصول إلى البدائل. فهذا استنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة، لأن الصراعات الإقليمية تتداخل فيها اعتبارات متعددة؛ من أمن الحلفاء وردع الخصوم إلى الملفات النووية والعسكرية والطاقة والتوازنات الإقليمية. والأدق سياسياً هو القول إن أمن الطاقة والممرات البحرية يمثلان أحد ميادين التنافس الكبرى بين أمريكا والصين، وإن إضعاف قدرة الصين على الوصول الآمن إلى الطاقة يمكن أن يكون مكسباً استراتيجياً لأمريكا، حتى لو لم يكن الهدف الوحيد لأي حرب أو أزمة.

 

الصين لا تنتظر وقوع أزمة بحرية حتى تبدأ البحث عن البدائل، فقد عملت منذ سنوات على تنويع مصادر الطاقة وطرق وصولها؛ وتأتي روسيا في مقدمة هذه البدائل، من خلال خطوط الأنابيب والإمدادات البحرية التي يمكن أن تصل لها دون المرور بالممرات نفسها التي تعبرها شحنات الخليج. كما تمثل كازاخستان وآسيا الوسطى مجالاً مهماً للتعاون في النفط والغاز والبنية التحتية للطاقة، وتوفر خطوط مثل خط النفط بين الصين وكازاخستان وخط الصين وميانمار مسارات إضافية.

 

وتمنح هذه الطرق الصين ميزة استراتيجية لأنها تقلل جزءاً من اعتمادها على الممرات البحرية البعيدة. لكن من الخطأ التعامل معها باعتبارها حلاً كاملاً. فطاقة خطوط الأنابيب محدودة، وتحتاج إلى استثمارات واتفاقيات طويلة الأجل، كما أن الإنتاج المتاح في الدول المصدرة ليس بلا سقف. كذلك لا يمكن اعتبار الغاز الروسي بديلاً مباشراً للنفط في جميع الاستخدامات، فالطيران والنقل البحري والبتروكيماويات وعدد كبير من الصناعات لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الوقود السائل. إذن، الطرق البرية تمنح الصين هامش مناورة أكبر، لكنها لا تلغي اعتمادها البحري.

 

التحول الأهم في الاستراتيجية الصينية لا يتمثل في العثور على نفط من مصدر جديد، وإنما في تقليل الحاجة إلى النفط أصلاً. وهنا تأتي السيارات الكهربائية، والحافلات والشاحنات الكهربائية، وكهربة بعض القطاعات الصناعية والنقلية. فإذا اشترت الصين النفط من روسيا بدل الخليج، فإنها غيّرت مصدر الاعتماد، أما إذا استبدلت الكهرباء بجزءٍ من البنزين والديزل، فهي تقلل أصل الحاجة إلى النفط المستورد.

 

ولا يعني ذلك أن الصين ستتخلى عن النفط. فالطيران والنقل البحري والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة ستظل تحتاج إليه لفترة طويلة، لكن الهدف الواقعي هو خفض حساسية الاقتصاد الصيني تجاه النفط، وليس إلغاء النفط بالكامل.

 

الميزة الصينية لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء المتجددة، بل تمتد إلى السيطرة الصناعية على جزء كبير من سلاسل توريد الطاقة الجديدة. فالصين أصبحت قوة كبرى في تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية ومعدات الطاقة المتجددة، كما تسيطر على مراحل مهمة من معالجة وتصنيع عدد من المواد المستخدمة في هذه الصناعات.

 

فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً عسكرياً وبحرياً واسعاً في الممرات، بينما تمتلك الصين نفوذاً صناعياً متزايداً في التقنيات التي يمكن أن تقلل أهمية الوقود الأحفوري مستقبلاً.

 

لا يكفي أن تنتج الصين كميات ضخمة من الطاقة الشمسية والرياح، فالطاقة تحتاج إلى شبكة قادرة على نقلها من مناطق الإنتاج إلى المدن والمراكز الصناعية، وإلى وسائل لتخزينها وتحقيق التوازن بين العرض والطلب. ولهذا تستثمر الصين في شبكات نقل الكهرباء فائقة الجهد، التي تسمح بنقل كميات كبيرة من الكهرباء لمسافات طويلة، من المناطق الغنية بموارد الطاقة إلى مراكز الاستهلاك.

 

وهذه البنية التحتية تمنح الصين فرصة لاستغلال مواردها الداخلية على نطاق واسع، وتقليل الحاجة إلى الوقود المستورد لتوليد جزء من الكهرباء، لكنها لا تلغي التحديات. فالطاقة الشمسية والرياح متقطعة، والتخزين لا يزال تحدياً تقنياً واقتصادياً، كما أن الفحم ما زال يؤدي دوراً مهماً في أمن الطاقة الصيني. أما الهيدروجين الأخضر، فيمكن أن يصبح عنصراً إضافياً في قطاعات يصعب كهربة بعضها مباشرة، مثل صناعات الحديد والصلب والكيماويات وبعض الاستخدامات الثقيلة. لكن الهيدروجين لا يمثل اليوم بديلاً شاملاً للنفط، بل جزءاً من منظومة مستقبلية أوسع.

 

وفي الوقت نفسه تملك واشنطن اليوم مجموعة من عناصر القوة: التفوق البحري، والتحالفات الأمنية، والقدرة على التأثير في الممرات، إلى جانب العقوبات والنظام المالي والتكنولوجي. فهي لا تحاول فقط أن تجد طريقاً آخر للنفط، بل تسعى إلى إعادة تشكيل اقتصادها بحيث يصبح النفط أقل أهمية، والممرات البحرية أقل قدرة على خنق اقتصادها.

 

وفي المقابل، أمريكا ليست ثابتة في مكانها، فهي تعمل أيضاً على تعزيز إنتاج الطاقة، وحماية سلاسل توريد المعادن والتكنولوجيا، وتقليل نقاط ضعفها الصناعية، وتعزيز قدرتها على المنافسة في التقنيات الجديدة. فإذا تمكنت من استثمار نقاط ضعف الصين قبل أن تكتمل البدائل، تبقى الممرات البحرية ورقة ضغط استراتيجية مؤثرة. أما إذا تمكنت الصين من الوصول إلى مرحلة يصبح فيها اضطراب هرمز أو ملقا مؤلماً لكنه غير قادر على شل اقتصادها، فإن قيمة هذه الورقة ستتراجع بصورة كبيرة.

 

وهنا يكمن جوهر سباق الزمن بين واشنطن وبكين: واشنطن تحاول الاستفادة من اعتماد الصين القائم، وبكين تحاول أن تجعل هذا الاعتماد من الماضي قبل أن يتحول إلى حصار استراتيجي.

 

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على منابع النفط، ولا على مضيق هرمز أو ملقا، وإنما على إعادة تعريف القوة في القرن الحادي والعشرين: هل ستبقى القوة في يد من يستطيع حماية الممرات والسيطرة على تدفق الطاقة، أم ستنتقل تدريجياً إلى من يستطيع بناء اقتصاد يحتاج إلى هذه الممرات بدرجة أقل، أم سيظهر لاعب جديد متوقع وغير مرغوب به بالنسبة للقوى الجشعة اليوم؟ إنه الإسلام الذي بعودته إلى الساحات الدولية يعمل إلى توحيد بلاد المسلمين تحت ظل دولة واحدة، هي دولة الخلافة، بقيادة واحدة وقرار سياسي واحد، بما يضع الموقع الجغرافي والثروات والقدرات الاقتصادية في إطار سياسي موحد، يجعلها أدوات قوة في خدمة مصالح المسلمين، ومن شأنه أن يغيّر طبيعة المعادلة الاستراتيجية، ويمنح المسلمين قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة، وعلى حماية مصالحهم من الضغوط الخارجية، بدل أن تبقى بلادهم ساحات تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والمصالح!

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع