الإثنين، 22 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/11/02م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

عندما تتحول الحدود البحرية إلى خريطة جديدة للنفوذ

 

 

لم يكن تصويت مجلس النواب الليبي في الشرق، في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بالموافقة بالإجماع على مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا مجرد تعديل لموقف قانوني أو تراجع عن قرار سابق. فالقرار الذي أقر الاتفاق الموقع بين أنقرة وحكومة الوفاق عام 2019، ألغى في الوقت نفسه قرار البرلمان الصادر عام 2020 برفض المذكرة وقرار قطع العلاقات السياسية مع تركيا. وبذلك انتقل أحد أبرز خصوم أنقرة داخل ليبيا من موقع الرفض إلى موقع الشراكة.

(الوكالة الليبية للأنباء)

 

وهنا تكمن أهمية الحدث: تركيا التي كانت عام 2019 طرفاً في الحرب الليبية، أصبحت عام 2026 طرفاً في إعادة ترتيب المشهد الليبي نفسه. ففي عام 2019 كانت أنقرة تدعم حكومة طرابلس في مواجهة قوات خليفة حفتر، بينما كان الشرق الليبي أقرب إلى القاهرة وأبو ظبي. وكان من الطبيعي أن ينظر مجلس النواب في الشرق إلى الاتفاق البحري بوصفه جزءاً من مشروع تركي لتثبيت نفوذها في ليبيا وشرق المتوسط. لكن سبع سنوات كانت كافية لقلب المعادلة.

 

اليوم، لم تعد العلاقة التركية الليبية محصورة بطرابلس، فقد تطورت قنوات أنقرة مع بنغازي، وأصبحت الزيارات والاتصالات والاستثمارات التركية في الشرق أمراً اعتيادياً. والأهم أن تركيا باتت تتعامل مع طرفي الانقسام الليبي في آن واحد. وفي اليوم الذي أقر فيه البرلمان الاتفاق البحري، كان رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في طرابلس يبحث مع رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة توحيد المؤسسات والإدارة والقوات العسكرية الليبية. (الأناضول)

ثم جاء التطور الأكثر دلالة: فقد استضافت أنقرة في 23 تشرين الأول/أكتوبر محادثات بين عبد السلام الزوبي من وزارة الدفاع في طرابلس وصدام حفتر، نائب قائد القوات في الشرق، لبحث ترتيبات لتوحيد المؤسسة العسكرية وتوزيع الصلاحيات وإنشاء قيادة مشتركة. (ليبيا أوبزيرفر). إذن، نحن لا نتحدث عن اتفاق بحري منفصل عن السياسة. فالبحر هنا جزء من صفقة نفوذ أوسع.

 

لماذا غيّر الشرق موقفه؟ لأن حسابات الشرق الليبي تغيرت. فبدل الارتهان لمحور إقليمي واحد، يبدو أن قيادة الشرق تتجه إلى سياسة أكثر براغماتية: فتح قنوات مع جميع القوى القادرة على التأثير في مستقبل ليبيا. فتركيا اليوم تملك نفوذاً داخل طرابلس، وعلاقة متنامية مع بنغازي، وحضوراً عسكرياً واقتصادياً، وعلاقات واسعة مع أوروبا وحلف شمال الأطلسي. ولذلك فإن الانفتاح عليها يمنح الشرق الليبي قدرة أكبر على المناورة في مرحلة قد تشهد إعادة تشكيل السلطة الليبية.

 

ولعل انتخاب صالح عبد النبي رئيساً لمجلس النواب في وقت سابق من هذا الشهر، خلفاً لعقيلة صالح، كان أحد مؤشرات التحول؛ إذ ارتبطت القيادة البرلمانية الجديدة بعلاقات أكثر انفتاحاً على تركيا. وقد اعتبر محللون التصويت الأخير انعكاساً للتحول داخل المؤسسة السياسية في الشرق. (رويترز)

 

لكن تركيا أيضاً تحصل على مقابل استراتيجي بالغ الأهمية؛ فالمذكرة تمنح أنقرة سنداً سياسياً جديداً لمطالبتها بمساحة بحرية واسعة في شرق المتوسط، وتضع ليبيا، بما تملكه من ساحل طويل وثروات طاقوية وموقع جغرافي، في قلب الاستراتيجية التركية البحرية. وهنا ينتقل الصراع من ليبيا إلى خريطة شرق المتوسط بأكملها.

 

من ليبيا إلى مصر واليونان

 

لم يكن رد فعل اليونان ومصر مفاجئاً؛ فاليونان أعلنت أن الاتفاق غير قانوني ويمس الحقوق السيادية لدول المنطقة، بينما تؤكد تركيا أن الاتفاق يحترم القانون الدولي ومصالح البلدين. (رويترز) أما مصر، وهي الدولة التي دعمت معسكر الشرق الليبي لسنوات، فتجد نفسها أمام مفارقة استراتيجية وهي أن حليفها الليبي السابق يصادق على اتفاق يتعارض مع تصورها لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط. فالقاهرة وأثينا كانتا قد وقعتا عام 2020 اتفاقاً لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما، في مواجهة التصور التركي الليبي. واليوم، وبعد التصويت الليبي، بدأت مصر واليونان بحث توسيع ترتيباتهما البحرية شرقاً. (حريات ديلي نيوز)

 

بل إن كيان يهود انضم أيضاً إلى الانتقادات، في مؤشر على أن القضية تتجاوز حدود الخلاف التركي-اليوناني لتصبح جزءاً من صراع أوسع حول الطاقة والنفوذ في شرق المتوسط. (توفيما)

 

النفط ليس كل القصة

 

من السهل تفسير التطور بأنه صراع على الغاز والنفط، لكن ذلك، في تقديري، لا يكفي. فالمسألة تتعلق بمن يمتلك القدرة على التأثير في الممرات البحرية، والموانئ، وخطوط الطاقة، ومناطق التنقيب، والطرق التي تربط شمال أفريقيا بأوروبا والشرق الأوسط.

 

ليبيا تقع في نقطة شديدة الحساسية بين المتوسط وشمال أفريقيا، وإذا تمكنت تركيا من تثبيت علاقة استراتيجية مع غرب ليبيا وشرقها معاً، فإنها لا تحصل فقط على نفوذ داخل دولة نفطية، بل تقترب من امتلاك موقع مؤثر في إحدى أهم العقد الجيوسياسية في المتوسط. ولهذا فإن الاتفاق البحري يمثل بالنسبة إلى أنقرة أكثر من خط حدود على الخريطة؛ إنه ورقة تفاوضية في صراع طويل على شكل شرق المتوسط.

 

المفارقة أن الاتفاق الذي رفضه الشرق الليبي عندما كانت تركيا تدعم خصمه العسكري، أصبح مقبولاً عندما أصبحت تركيا قادرة على التواصل مع الشرق نفسه! وهذا يكشف قاعدة مهمة في السياسة الدولية هي أن الدول لا تتعامل مع الاتفاقات وفقاً لتاريخها، بل وفقاً لموقعها الحالي في ميزان القوة. ففي عام 2019 كان الاتفاق جزءاً من صراع داخلي، أما في عام 2026 فقد أصبح جزءاً من عملية إعادة توزيع النفوذ.

 

ليبيا تريد توسيع خياراتها الدولية وكسر احتكار المحاور الخارجية لعلاقاتها، بينما تريد تركيا تثبيت موقعها في كامل ليبيا، وتعزيز موقفها في شرق المتوسط، وفتح الطريق أمام نفوذ اقتصادي وعسكري طويل الأمد.

 

ومن هنا يمكن فهم التصويت باعتباره بداية مرحلة جديدة، لا نهاية خلاف قديم. فإذا نجحت أنقرة في رعاية تفاهم بين الشرق والغرب وتوحيد جزء من المؤسسة العسكرية، فإن تركيا ستكون قد انتقلت من كونها لاعباً في الأزمة الليبية إلى كونها أحد اللاعبين الرئيسيين في صياغة مستقبلها، وتكون قد حققت انتصاراً شبه كلي لمصالح أمريكا في ليبيا.

 

إن دول الضرار تسارع إلى تقديم القرابين لأمريكا، ولو على حساب بلادها وثرواتها، وبلاد المسلمين وثروات المسلمين، بحكم أنها اليوم لا حامي لها ولا ملجأ.

 

نسأل الله العظيم أن يمنَّ علينا بعودة دولة الخلافة الراشدة، ويكلّل جهود العاملين لعودتها.

 

ونخاطب عامة المسلمين، وأهلَ القوة والمنعة خاصةً أن هبّوا إلى نصرة هذا الدين، واجعلوه موضع التطبيق، فإن الله ناصرنا، فاغتنموا السير مع العاملين لإقامتها، وكونوا أنتم أبطالها وأحباب رسول الله ﷺ، ولم يبقَ إلا قليل من الصبر، إن شاء الله، ويمنَّ الله علينا بهذه الدولة العظيمة.

 

عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». رواه البخاري

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع