- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
نهاية العصر الذهبي للوصاية الأمريكية: قراءة في تصريحات منتدى الدوحة
- أمريكا لم تعد الضامن الأمني لأي منطقة في العالم.
- لا توجد ضمانات شاملة لأي شيء بعد الآن، بل هناك احترام متبادل وتفاهمات واضحة.أمريكا لا ترحل بل "ترعى".
- أمريكا لا تحاول السيطرة؛ لأن نهج السيطرة لم يسِر بشكل جيد.
- خطورة النشاط العسكري (الإسرائيلي) في سوريا، ما قد يستدعي التدخل الأمريكي لوقفه.
على هامش منتدى الأمن القومي الذي انعقد في الدوحة عاصمة قطر، صرّح سفير أمريكا في تركيا ومبعوثها إلى سوريا والعراق توم براك بحديث طويل عرج فيه على كثير من القضايا. وقد استخلصنا من حديثه بعض النقاط اللافتة التي تحمل في حقيقتها دلالات تبين الخطوط العريضة لسياسة أمريكا الحالية؛ وهي سياسة تصبّ في خانة شعار "أمريكا أولاً"، فلا حماية ولا ركوب بالمجان بعد اليوم.
وهذا ما صرح به سابقاً ترامب في معرض تصريحاته الكثيرة التي استهزأ فيها بقادة أمريكا السابقين، مؤكداً أنهم كلفوا الخزينة الأمريكية مليارات الدولارات لحماية حلفاء أمريكا والدفاع عنهم بالمجان ومنهم أوروبا والشرق الأوسط.
وحقيقة الأمر التي لا بد من الإشارة إليها - للتنويه والتاريخ - أن أمريكا على مدار تاريخها لم تقدم مساعدة واحدة بالمجان، بل كانت تأخذ مقابلها أضعاف أضعاف ما تقدمه، وكانت مساعداتها هي لإيجاد موطئ قدم ومنفذ لها للتدخل في سياسات الدول التي تمد لها يد العون، طوعاً أو كرهاً، سواء أكان ذلك مباشرة أم عبر أذرعها المالية.
وبالعودة إلى تصريحات براك، فقد فجّر قنبلة من العيار الثقيل في وجه من يُطلق عليهم حلفاء أمريكا وأصدقاؤها؛ إذ قال: "إن أمريكا لم تعد الضامن الأمني لأي منطقة في أي مكان في العالم". أي أنها رسمت خطوطاً ومسارات جديدة في سياستها الخارجية تؤكد فيها أنها ليست ضامناً أمنياً لأي دولة صديقة أو حليفة تعرضت لخطر داخلي أو خارجي، سواء طلبت المساعدة أم لم تطلبها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ما دور أمريكا وقواتها المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط والخليج؟ وما فائدة هذا الوجود؟ وهل بَقِيَ له من معنى؟ أليس وجودها يتنافى مع ما تم التوافق والتعاقد عليه وهو حماية هؤلاء الشركاء الإقليميين؟
يجيب براك: "بل يرتكز دورنا على تحديد التوقعات المتبادلة وتحمل كل طرف في هذه المعادلة نصيبه من المسؤولية". أي أن الدول التي يوجد فيها الأمريكيون لا بد لها من بذل أقصى جهد في تقديم المعلومات وتبادلها مع أمريكا، وتحمّل تكلفة ذلك وتكلفة وجود قوات أمريكا نفسها.
ثم يستطرد براك بقوله: "لا ضمانات شاملة لأي شيء بعد الآن". أي أن أي اتفاقيات أمنية حُرّرت مسبقاً لتضمن استقرار هذه الدول وحمايتها من أي عدوان خارجي أو حفظ أنظمة حكمها، قد انتهت وأصبحت من الماضي، ولا وجود لها في مفهوم سياسة أمريكا الحالية. وعلى هذه الدول أن تتحمل المسؤولية الكاملة في حماية نفسها ودرء أي أخطار واقعة أو متوقعة.
وهنا يبرز سؤال آخر في خضم هذه التصريحات ونتائج تحليلها: ما دور أمريكا إذاً؟ يجيب براك: "هناك احترام متبادل وتفاهمات واضحة فقط".
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل بقي لأمريكا من مبرر لوجودها في المنطقة؟ ولماذا لا ترحل قواتها الموجودة هناك؟
الجواب يكمن في قوله: إن "أمريكا لا ترحل، ووظيفتها أن ترعى الاتفاقات". أي بالمفهوم الاستعماري نحن باقون لرعايتكم ولن نخرج ما دمتم في هذه المعادلة، وسنكتفي برعاية ما سيتم التوصل إليه ضمن هذه الخطوط العريضة. كما أعلن بصراحة أن سياسة السيطرة التي انتهجتها أمريكا لم تسِر بشكل جيد، بل أخفقت في مناطق كثيرة من العالم.
إن مجمل ما صرّح به براك يصب في اتجاه واحد: أمريكا لن تدفع سنتاً واحداً لأي حليف أو طالب مساعدة، وستنأى بنفسها عن الصراعات المسلحة التي كبّدتها مليارات الدولارات دون جدوى، ضارباً المثل بإخفاقاتها في أفغانستان والعراق.
وتتلخص دلالات ما صرح به توم براك في أن أمريكا الحالية لم تعد أمريكا السابقة؛ وأن أي خطوة ستقوم بها مستقبلاً تتطلب مشاركة شركائها الإقليميين، بعد أن تنصّلت من مفهوم السيطرة والتفرد. لقد أدركت أمريكا أن سياسة الاستحواذ والسيطرة بالقوة قد انتهت إلى غير رجعة، وبدأت تتنازل مجبرةً عن عرش طاووسها الذهبي.
يفهم من كل ذلك أن عصراً قد انقضى وفجراً جديداً بدأت إرهاصاته تلوح في الأفق، وما يصدق ذلك إلا هذا التخبط الذي تعيشه دول العالم ودخولها في صراع وجودي مع ذاتها وشعوبها وقياداتها... إنها إرهاصات الخلافة القائمة قريبا بإذن الله.



